أبو الليث السمرقندي
181
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
لَكُمْ دِينُكُمْ * [ الكافرون : 6 ] ويقال : فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ لفظه لفظ التخيير والأمر ، والمراد به التهديد والتخويف ، كقوله : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ وكقوله : قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ويقال : قد بيّن اللّه ثواب المؤمنين ، وعقوبة الكافرين . ثم قال : فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ وذلك قبل أن يؤمر بالقتال ، فلما أيسوا منه أن يرجع إلى دينهم ، قالوا : خسرت إن خالفت دين آبائك . فقال اللّه تعالى : قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني : أنتم الخاسرون ، لا أنا . ويقال : الذين خسروا أنفسهم بفوات الدرجات ، ولزوم الشركات ، أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ يعني : الظاهر حيث خسروا أنفسهم ، وأهلهم ، وأزواجهم ، لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ يعني : أطباقا من نار ، وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ يعني : مهادا من نار ، أو معناه : أن فوقهم نار ، وتحتهم نار ، ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ أي : ذلك الذي ذكر ، يخوف اللّه به عباده في القرآن ، لكي يؤمنوا . يا عِبادِ فَاتَّقُونِ : أي : فوحِّدون ، وأطيعون ، وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ قال مقاتل : يعني : اجتنبوا عبادة الأوثان . وقال الكلبي : الطَّاغُوتَ يعني : الكهنة أَنْ يَعْبُدُوها يعني : أن يطيعوها ، ورجعوا إلى عبادة ربهم وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ أي : أقبلوا إلى طاعة اللّه . ويقال : رجعوا من عبادة الأوثان إلى عبادة اللّه لَهُمُ الْبُشْرى يعني : الجنة . ويقال : الملائكة يبشرونهم في الآخرة ، فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ يعني : القرآن فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ يعني : يعملون بحلاله ، وينتهون عن حرامه ، وقال الكلبي : يعني : يجلس الرجل مع القوم ، فيستمع الأحاديث ، محاسن ومساوئ ، فيتبع أحسنه ، فيأخذ المحاسن ، فيحدث بها ، ويدع مساوئه . ويقال : يستمعون القرآن ويتبعون أحسن ما فيه ، وهو القصاص ، والعفو يأخذ العفو لقوله : وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [ النحل : 126 ] ، ( وقال بعضهم : يستمع النداء ، فيستجيب ، ويسرع إلى الجماعة . وقال بعضهم : يستمع الناسخ ، والمنسوخ ، والمحكم من القرآن ، فيعمل بالمحكم ، ويؤمن بالناسخ والمنسوخ ) . ثم قال : أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ أي : وفقهم اللّه لمحاسن الأمور . ويقال : هَداهُمُ اللَّهُ أي : أكرمهم اللّه تعالى بدين التوحيد وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ يعني : ذوي العقول . قوله عز وجل : أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ يعني : وجب له العذاب . ويقال : أفمن في علم اللّه تعالى أنه في النار ، كمن لا يجب عليه العذاب . أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ يعني : تستنقذ من هو في علم اللّه تعالى ، أنه يكون في النار بعمله الخبيث . ويقال : من وجبت له النار : وقدرت عليه . ثم ذكر حال المؤمنين المتقين فقال عز من قائل : لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ يعني : وحدوا ربهم ، وأطاعوا ربهم ، لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ في الجنة ، وهي العلالي .